محمد أبو زهرة

2211

زهرة التفاسير

من أذى ، والمعنى هنا أن الجروح ذات قصاص أي يجرى فيها القصاص بالمساواة بين الجريمة وعقوبتها على أن تكون من جنسها وفي الموضع الذي كان فيه الجرح ، فإن تعذر التساوي فإنه تكون دية الجريمة ويعبر الفقهاء عن العويض بالأرش . والتعزير مع هذا ثابت شفاء لغيظ المجنى عليه ، ومعنا لإهدار الدماء بالثارات ، وتبادل الأذى . والقصاص يجرى في الجروح إذا أمكنت المساواة على ما أسلفنا ، ومهما يكن فالقصاص متى أمكن ، ولو بالتقارب أولى ، فإن المساواة من كل الوجوه غير ممكنة ، فإن الأجسام متفاوتة ، وآثار الجروح فيها متفاوتة ، والأذى فيها غير ثابت المقدار حتى يقاس بالأشبار . ولا شك أن القصاص الممكن ، والتعزير مع الأرش « 1 » إن لم يكن هو أقرب إلى العدالة ، وإلى حقن الدماء ، واحترام الأنفس والمحافظة على الكرامة الإنسانية والمساواة هو الأردع للجناة ، فإن من يعرف أنه ستشج رأسه إذا شج رأس غيره لا يقدم على الأذى ، بل يتردد ، وأنه كلما كانت العقوبة من جنس الجريمة كان ذلك مع عدالته أشد زجرا وتأثيرا ، وإنه من يوم أن تغيرت العقوبة عن الجريمة استهين بالأنفس والأطراف ، وأهدرت الدماء . وهناك أمر اختلف فيه الفقهاء : أيجرى القصاص في الضرب ، كما يجرى في الجروح ؟ الظاهر ذلك من روح الشريعة وما تومئ إليه نصوصها وهو ما كان يسير عليه السلف الصالح رضي الله عنهم ، وقد قاله بعض الحنابلة والظاهرية ،

--> ( 1 ) الأرش : ما يؤخذ عوضا عن كسر أو جرح . روى البخاري : الصلح - الصلح في الدية ( 2703 ) عن أنس أن الربيع وهي ابنة النضر كسرت ثنية جارية وطلبوا العفو فأبوا فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأمرهم بالقصاص فقال أنس بن النضر : أتكسر ثنية الربيع يا رسول الله لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها ، فقال : « يا أنس كتاب الله القصاص » فرضي القوم وعفوا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره » زاد الفزاري عن حميد عن أنس : فرضي القوم وقبلوا الأرش .